مظلمة لحراطين

مظلمة لحراطين
حائط المبكى
كـلُّ عامٍ نأتي لسوقِ عكاظٍ :: وعـلينا العمائمُ الخضـراءُ
كـلُّ عامٍ نأتي.. فهذا جريرٌ :: يتغنّـى، وهـذهِ الخـنساءُ
كل عام يتداعى الناس للسير في مسيرة ميثاق لحراطين، فيشهد باعة (امبصابْ) منافع لهم، ويتجول الناس “ايطلصو أعظامهم” من مسجد “المغرب” باتجاه “ساحة مسجد ابن عباس” في يوم يصادف يوم عيد “شم النسيم” في المشرق..
يلتقط الناس صورا وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي ويسجل كل واحد موقفا يضيفه لسجله النضالي ولمَ لا وقد اغبرت قدماه في سبيل لحراطين..
ويبقى لحرطين كما كانوا قبل المسيرة وبعدها، فقراء مدفوعين عند أبواب المستشفيات لايملكون تذكرة عبور إلى أي خدمة.
ضاقت بهم آدوابه بما رحبت بين آفطوط الشرقي ومثلث الفقر والأحزمة العشوائية حول المدن، لايجدون العلاج ولا المأوى ولايذهب أولادهم إلى المدارس..
مثقفو وأطر لحراطين كأطر ومثقفي لكور والبظان لاهم لهم إلا أنفسهم..
مثقفو لحراطين تسلقوا ظهور بني جلدتهم واستفادوا من المتاجرة بالمظلمة ففقدوا أنفسهم وذواتهم في الزحام وأصبحوا كما يقول باراك أوباما:
” .. نصبح ممتنين للغاية ونحن نفقد أنفسنا في الزحام، في سوق أمريكا السعيد عديم الهوية ولا نستشيط غضبا أبدا مثلما يحدث لنا عندما تتجاهلنا سيارة الأجرة وتمر من أمامنا أو عندما تُحكِم السيدة في المصعد قبضتها على حقيبتها، وليس هذا لأننا منزعجون من حقيقة أنه على الملونين الأقل حظا أن يتحملوا مثل هذه الإهانات كل يوم من أيام حياتهم، مع أن هذا مانقوله لأنفسنا ولكن لأننا نرتدي حلة تحمل العلامة التجارية “بروكس براذرز”، ونتحدث بلغة إنجليزية صحيحة..”
إنهم كما قال الطيب صالح في رائعته الخالدة “موسم الهجرة إلى الشمال”:
” لن يصدق “محجوب” أن سادة أفريقيا الجدد ، ملس الوجوه ، أفواههم كأفواه الذئاب ، تلمع في أيديهم خواتم من الحجارة الثمينة ، وتفوح نواصيهم برائحة العطر ، في أزياء بيضاء وزرقاء وسوداء وخضراء من الموهير الفاخر والحرير الغالي تنزلق على أكتافهم كجلود القطط السيامية ، والأحذية تعكس أضواء الشمعدانات ، تصر صريراً على الرخام..
لن يصدق محجوب أنهم تدارسوا تسعة أيام في مصير التعليم في أفريقياً في ( قاعة الإستقلال ) التي بنيت لهذا الغرض ، وكلفت أكثر من مليون جنيه..
صرح من الحجر والأسمنت والرخام والزجاج ، مستديرة كاملة الاستدارة ، وضع تصميمها في لندن ، ردهاتها من رخام أبيض جلب من إيطاليا ، وزجاج النوافذ ملون ، قطع صغيرة مصفوفة بمهارة في شبكة من خشب التيك..
أرضية القاعة مفروشة بسجاجيد عجمية فاخرة ، والسقف على شكل قبة مطلية بماء الذهب ، تتدلى من جوانبها شمعدانات كل واحد منها بحجم الجمل العظيم ..
المنصة حيث تعاقب وزراء التعليم في أفريقيا طوال تسعة أيام من رخام أحمر كالذي في قبر نابليون في الانفاليد ، وسطحها أملس لماع من خشب الأبنوس ..
وعلى الحيطان لوحات زيتية ، وقبالة المدخل خريطة واسعة لأفريقيا من المرمر الملون ، كل قطر بلون..
كيف أقول لمحجوب إن الوزير الذي قال في خطابه الضافي الذي قوبل بعاصفة من التصفيق : ( يجب ألا يحدث تناقض بين ما يتعلمه التلميذ في المدرسة وبين واقع الشعب . كل من يتعلم اليوم يريد أن يجلس على مكتب وثير تحت مروحة ويسكن في بيت محاط بحديقة، مكيف الهواء يروح ويجيء في سيارة أمريكية بعرض الشارع، إننا إذا لم نجتث هذا الداء من جذوره تكونت عندنا طبقة برجوازية لا تمت إلى واقع حياتنا بصلة ، وهي أشد خطراً على مستقبل أفريقيا من الاستعمار نفسه)
كيف أقول لمحجوب إن هذا الرجل بعينه يهرب أشهر الصيف من أفريقيا إلى فيلا يملكها على بحيرة لوكارنو ، وأن زوجته تشتري حاجياتها من هرودز في لندن ، تجيئها في طائرة خاصة..
وأن أعضاء وفده أنفسهم يجاهرون بأنه فاسد مرتش.
ضيع الضياع وأقام تجارة وعمارة، وكون ثروة فادحة من قطرات العرق التي تنضح على جباه المستضعفين أنصاف العارة في الغابات..
هؤلاء قوم لا هم لهم إلا بطونهم وفروجهم..”
كامل التسلق
من صفحة العملاق اكس ولداكس اكرك