كيفة و حجة الوداع !

يجري الحديث هذه الأيام عن زيارة مرتقبة للسيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز لمدينة كيفة ،في ظل صراع قبلي محتدم ، صراع تشهده المدينة مع كل موسم انتخابي من أجل إظهار الولاء للسلطة و البراء مما سواها ، خصوصا أن الحاكم المنتظر هذه المرة ينحدر من الولاية و من مشيخة صوفية و تقليدية.
ففي مدينة كيفة لاتزال المنظومة التقليدية موجودة رغم هشاشة نفوذها في القضايا السياسية ، و رغم الحنق المتزايد ضدها و ضعف قبضتها الخشنة تبقى قادرة على شحذ سكين النعرة في كل موسم انتخابي .
وبما أن المترشح ينحدر من الولاية فلن تبقى سكينا و لا ساطورا إلا شحذوها و لا سيفا إلا جردوها في سبيل إظهار الولاء ، حتى تكون الهجرة إلى هناك (..) سالكة ؛ و هي بطبيعة الحال هجرة إلى دنيا …
و قد بادر أقوام يزحفون نحو الخنوع للسلطة صاغرين كل همهم التبرك من اختياراتها قبل مباركتها و استحضار موروث شعبي شعبوي مشوه كي يربطهم بوشائج هي من صنع الخيال .
فنحن شعب لايزال فينا من يقتات على المجاملة و الخرافة و التطبيل ، و التصفيق بكل الجوارح ما ظهر منها و ما بطن .
في كيفة تتعايش تلك قبائل التي عركت السياسة عقودا و عركتها هوانا ، و لم تجن منها غير السقوط في مستنقع الإهمال و الحرمان .
و في هذه الأيام تستعد المدينة لاستقبال الرئيس في زيارة عمل، سيدشن خلالها شبكة مكملة تساعد الشبكة الأولى في ضخ المزيد من المياه الصالحة للشرب ، مع ان معداتها لم تكتمل بعد ، و يجري الحديث عن ارتفاع نسبة الحديد فيها ، كما كانت نسبة الملوحة مرتفعة في الشبكة القديمة .
تأتي هذه اللفتة في نهاية العهدة بعد أن كدنا نجزم خلال المرحلة الماضية أن سقاية المدينة ليست أولوية ، فلا السلطة القائمة مهتمة -أصلا- بأمر السكان، و لا الوجهاء و السياسيون يعنيهم ذلك، لأنهم -ببساطة- قد سقوا ظمأ عطشهم من عرق منتخبيهم ، فحرموا بخيانتهم المدينة من عصب الحياة، و نكل بها الإهمال و الجفاف عشرا عجافا .
سيزور الرئيس المدينة في هذا الصيف الحار ، ليس للاطلاع على ظروف السكان المعيشية ، فهو يعرفها و يعرف أن مستقبيله من ذوي السحنات البهية و الملابس الثمينة و السيارات الفاخرة ليسوا إلا مترفين وافدين ، همهم الأول و الأخير تملق جديد مدفوع الثمن من حساب حاكم جديد يلوح في الأفق .
أما المدينة بسكانها الصامدين فستبقى مغبرة ترهقها قترة من غير كفر و لا نفاق .
إن زيارة الرئيس قبيل انتهاء مأموريته بأسابيع هي حجة وداع “مبرورة” ، ففيها سوف يطوف على متن مروحيته أو طائرته بالمدينة حتى يطلع على مدى “الإعمار” الذي شهدته المدينة خلال عشريته !! و سيسعى بين المطار و الولاية مشيا حتى يري السكان ان مسيرة التنمية قد تنتهي -أحيانا- بخطوات كهذه ،و سيصعد المنبر فتلفح وجهه في عتاب الأحبة ريح سموم تتناغم و صيف المدينة .
و عند آبار نكط المباركة سيودع قبل الخطاب طوابيرا من الراكضين خلف السلطان -أي سلطان- بمزيد من الاحتقار و الازدراء .
و لكن سيسجل التاريخ أن الرئيس دشن لتوه شبكة للماء في نهاية مأموريته، و زار الأهل و عاش معهم بضع ساعات من الصيف في الوقت الذي تشهد فيه المدينة عقوقا متزايدا من بنيها .
و في الأخير سيخطب و يتباهى بالنصر على السراب، فالماء لن يصل كل الأحياء ، و المواد الغذائية تتضاعف أسعارها ، و الضرائب تتراكم تراكم الأوساخ في أحياء المدينة، و الأمن يعبث به غلمان من مدمني المواد المخدرة ،و التعليم قاب قوسين أو أدنى من الضياع ، و الصحة في الرمق الأخير من الحياة .
سيترك الرئيس كل ذلك لصنوه السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني إنه صاحبنا و ابن ولايتنا و يعرف معنى العهد جيدا .
و لكن :
هل سيكون من العهد عنده أن يواصل النهج ؟
الحسن محمد الشيخ