مجرد رأي /باتة بنت البراء

مجرد رأي:

لم يتحدث أبو نواس عندما تحدث عن جهل ولا مكابرة، ولا عن حب للجدل ربما، ولكنه كان يقرر حكمة بالغة، وحقيقة نفسية وثيقة الصلة ببني الإنسان على اختلاف أعصرهم ومذاهبهم؛ وذلك حين يقول:

فقل لمن يدعي في العلم فلسفة @@ حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.

إن السياق في النص يحيلنا إلى أنه قال ما قال دفاعا عن شربه الخمر وتغنيه بها، ووصفه الطقوس المثالية لتعاطيها؛ ردا على من ينعى عليه ذلك، في ظل دولة إسلامية تراعي الحدود، وتطبقها في مرتكب الذنب.

غير أن أبا نواس؛ ومن حيث لا يدري وصل إلى حقيقة نفسية ثابتة وهي أن وهم المعرفة يصيب الكثيرين، فيظنون بأنفسهم العلم والفهم، في حين أن المعرفة أوسع بكثير من ظنهم، وتحصيلها لا يتسع له عمر الإنسان.

هذا ما يؤكده العالم الفيزيائي الشهير:استيفن هوكنك، حين يقول : ” أعظم عدو للمعرفة ليس الجهل، وإنما وهم المعرفة”.
والغريب أن لا أحد يستطيع الإفلات من هذا الوهم؛ إنه أحد انحيازات الدماغ البشري للذات، ولا أحد يفلت من هذا الوهم مهما بلغت درجته من العلم؛ فكل الناس مصابون به، وإن بدرجات متفاوتة.

فما هو وهم المعرفة؟
لتعريف هذا الوهم لا بد من التفريق بينه مع الجهل؛ فالجهل نوعان:
جهل بسيط وهو أن يجهل الإنسان الشيء ولكنه مقـر بجهله له.
جهل مركب؛ وهو جهل الإنسان بأنه يجهل الشيء، وهذا يتطلب من صاحبه تدريب الدماغ حتى يصحو من غفلته.
ولكن وهم المعرفة أشد وطأة، وأبلغ خطرا، من الجهل المركب؛ فالجهل المركب يضر بصاحبه فحسب ؛ بينما وهم المعرفة يضر بصاحبه ومن هم في دائرته.

اليوم تساهم الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، في انتشار وهم المعرفة، وهذا ما جعل الكثيرين يعتقدون أنهم يعرفون من العلوم ما يؤهلهم للحديث في كل علم وفي كل فن على حدة.
أصبح الكل يفتي ويتصدر للحديث في : (الدين والسياسة والطب والاقتصاد والاستشارات الأسرية والأدب… إلخ).
أعتقد أننا أحوج ما نكون إلى مراجعة للذات، وكبح لجماح هذا الوهم.

زر الذهاب إلى الأعلى