مناظرة في منتهى الروعة بين يمني وحجازي أمام الخليفه

كان أبو العباس السفاح يحب من السمر التناظر و منازعة الرجال , فحضر عنده يوما حجازي ويمني
وهما (إبراهيم بن مخرمة الكندي , وخالد بن صفوان بن الأهتم ) فتفاخرا وتنازعا
, فقال ابن مخرمة اليمني : يا أمير المؤمنين , إن أهل اليمن هم العرب , دانت لهم الدنيا , ولم يزالوا ملوكا , ورثوا الملك كابرا عن كابر , وآخرا عن أول, منهم النعمان والمنذر صاحبا الحيرة , ومنهم عياض صاحب البحرين , ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصبا , وليس من شيء له خطر إلا وينسب إليهم , إن سئلوا أعطوا , وإن نزل ضيف قروه , فهم العرب العاربة , وغيرهم المستعربة .
– فقال العباس : أحسنت , ولكنني أرى خالدا ما أعجبه الكلام .. ثم قال : ماذا تقول يا خالد ؟؟ أجب صاحبك
فقال خالد : إن أذن لي أمير المؤمنين بالكلام تكلمت
قال : تكلم ولا تهب أحدا
فقال خالد : أخطأ المقتحم , ونطق بغير صواب , وكيف يكون لقوم ليس لهم ألسن صحيحة , ولا لغة فصيحة , نزل بها كتاب أو جاءت بها سنة أن يفاخرونا
يفخرون علينا بالمنذر والنعمان
فنفخر عليهم بسيد الأنام , وأكرم الكرام , محمد عليه الصلاة والسلام
فلله المنة به علينا وعليهم
يا مفتخرا بالنعمان وصاحب البحرين
منا النبي المصطفى والخليفة المرتضى , ولنا البيت المعمور وزمزم والحطيم والمقام , والحجابة والسقاية والبطحاء والمآثر والمفاخر
ومنا الصديق والفاروق وذو النورين وعلي وأسد الله وسيد الشهداء , فمن لكم بهؤلاء ؟
بنا عرف الناس الدين وأتاهم اليقين ,
فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا قطعناه
– ثم أقبل على إبراهيم فقال له : ألك علم بلسان قومك ؟
– قال : نعم
– فقال خالد : فما اسم العين عندكم ؟
– قال : الحندورة
– قال : فما اسم السن عندكم ؟
– قال : الميدن
– قال : فما اسم الأذن عندكم ؟
– قال : الصنارة
– قال : فما اسم الأصابع عندكم ؟
– قال : الشناتير
– قال : فما اسم الذئب عندكم ؟
– قال : الكنع
– قال : أفَعالِمٌ أنت بكتاب الله ؟
– قال : نعم
– فقال خالد : فإن الله عز وجل يقول : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا)
ويقول بلسان عربي مبين:
( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)
فنحن قومه ونحن العرب والقرآن بلساننا
– ألم تر أن الله تعالى قال ( والعين بالعين)
ولم يقل ( والحندورة بالحندورة)
– وقال ( والسن بالسن)
ولم يقل ( والميدن بالميدن)
– وقال ( والأذن بالأذن)
ولم يقل ( والصنارة بالصنارة)
– وقال ( يجعلون أصابعهم في آذانهم)
ولم يقل ( يجعلون شناتيرهم في صناراتهم)
– وقال ( فأكله الذئب)
ولم يقل ( فأكله الكنع)
ثم نظر خالد إلى إبراهيم وقال له : إني سائلك عن أربع
إن أقررت لي بهن فقد قهرت , وإن جحدتهن فقد كفرت
قال : وما هن ؟
قال : الرسول منا أم منكم ؟
قال : بل منكم
قال : القرآن نزل فينا أم فيكم ؟
قال : بل فيكم
قال : البيت عندنا أم عندكم ؟
قال : بل عندكم
قال : المنبر لنا أم لكم ؟
قال : بل لكم
قال : اذهب فما كان من فضل بعد ذلك فهو لكم .
فضحك أبو العباس , وأقر خالدا على كلامه
ثم حباهما من العطاء جميعا.