الشيخ محمد سعيد بن بدي ردا على الشيخ الددو حفظ الله الجميع

الشيخ محمد سعيد بن بدي على ردا الشيخ الددو حفظ الله الجميع

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد
فقد اطلعت على ما جاد به الشيخ العلامة محمد الحسن بن الددو حفظه الله تعالى من تعليقات على ما أثير من آراء حول نازلة الوقت، فأفاد على ما هو من حاله المعتاد. وقول الشيخ حفظه الله: “وما كان من عادتي أن أتعقب الردود عليَّ، فمذهبي أن أبين للناس ما أراه حقا، فإن كان صوابا فمن فضل الله وتوفيقه، وإن كان خطأ فمني”.
فلعله جرت عادته بذلك اتقاء أن يؤدي ذلك إلى الجدال المذموم، وهذا شأن أهل الفضل والورع، يتهمون أنفسهم في كل تصرفاتهم، ويتحرون في أفعالهم تصحيح نياتهم، وإن كانت المراجعة في المسائل العلمية لا غنى في تحقيق الحق عنها، فالصواب لا يتبين إلا بالبحث والمناظرة والتغليط والتصويب، ولا يقتضي ذلك قدحا ولا غضا من مرتبة القائل إلا عند من جهل ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، ووفقنا لاتباع نهجهم والسير بسيرتهم.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة اهـ .
وقال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد: المسألة إذا كان سبيلها الاجتهاد ووقع فيها الاختلاف لم يجز لأحد القائلين فيها عيب مخالفه، ولا الطعن عليه؛ لأنهم – يعني الصحابة – اختلفوا، وهم القدوة، فلم يعب أحد منهم على صاحبه اجتهاده، ولا وجد عليه في نفسه، إلى الله الشكوى، وهو المستعان على أمة نحن بين أظهرها، تستحل الأعراض والدماء إذا خولفت اهـ .
وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته أن الحذق في العلوم والتفنن فيها والاستيلاء عليها إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمباديها وقواعدها والوقوف على مسائلها واستنباط فروعها من أصولها، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في تلك الفنون حاصلا. ثم قال: وأيسر طرق هذه الملكة قوة اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها اهـ.
فليس الجدال في نفسه مذموما، ولا الإعراض عنه لذاته محمودا، وإنما يحسن ويقبح شرعا بالاعتبار، قال القرافي في نفائس الأصول: هو شأن الله تعالى، وشأن خاصته، فقد أقام الله تعالى الحجج، وعامل عباده بالمناظرة، قال الله تعالى: {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}، وقال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه}، وقال للملائكة: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض}، لما قالوا له: {أتجعل فيها من يفسد فيها}، وقامت الحجة له تعالى عليهم لما أنبأهم آدم بالأسماء وتناظرت الملائكة بقوله تعالى: {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون}، وتجادل الأنبياء عليهم السلام.
ثم قال: فالجدال أصله اللَّىُّ والفَتْلُ، فمن لوى إلى الحق فهو محمود، ومن لوى إلى الباطل فهو مذموم، فالجدال كالسَّيف آلة عظيمة حسنة في نفسها، وإنما يَعْرض لها الذم من جهة ما تعمل فيه، فمن قطع به الطريق، وأخاف به السبيل على المسلمين ذُمّ، فكما لا يذم السيف في نفسه لا يذم الجدال في نفسه، وإنما يُذَمُّ القصد الصارف له إلى الباطل، فما من شيء في العالم إلا وهو كذلك، قال الله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}، فجعل الجميع فتنة إشارة لما ذكرته اهـ.
وأما قول الشيخ أمتع الله به: “ولمن كان من أهل العلم ورأى في قولي خطأ أن يبيّن الخطأ، وله من الله تعالى الأجرُ والمثوبة”.
فما ذاك إلا من إنصافه وفضله حفظه الله تعالى واتباع سيرة السلف الصالح من العلماء العاملين في طلب الحق والدوران معه حيث دار.
وقوله: “وإني لأعلم أن الفتاوي الشفوية – ولا سيما إن كانت على جناح السفر والانشغال- لا تسلم من خطإ في العزو ووهم في التخريج، كما حصل معي في الفتوى الأخيرة. فقد وقع مني خطأ في عزو الحديث للبخاريّ وأنا في السيارة؛ حيث التبس عليَّ حديث كعب ابن مالك وحديث ابن عباس الذي في صحيح البخاري، وهو: “إن أول جمعة جُمعت بعد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجُواثى من البحرين”، وقد صحَّحت هذا الخطأ مباشرة بعد سماعه، ونُشِر التصحيح مكتوبا فلم يُرفَق بالتسجيل”.
أقول: ولهذا منع العلماء من القضاء عند وجود الشاغل المشوش، قال ابن عبد البر في الكافي: وفي قول رسول الله صلى عليه وسلم: “لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان” دليل على أنه لا يقضي في حال تضيق فيها نفسه وينشغل باله وينقسم قلبه اهـ.
قال العلامة محمد بن محمد سالم في لوامع الدرر: وكذلك المفتي لا يفتي مع ما يدهش عن الفكر، كما نص عليه عياض في شرح مسلم، وتبعه الأبي. انتهى.
وقد ترجم البخاري بباب هل يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهو غضبان؟
ثم قال الشيخ حفظه الله تعالى: “ثم إنّه من واجبي أن أعرضَ بعض ما أسّستُ عليه الفتوى بإقامة الجمعة لثلاثة فأكثر في غير المسجد للضرورة، زيادة في البيان وإزالة لبعض اللبس.
أوّلا: خصوصيّة النازلة محلّ النزاع: إن هذه النازلة جديدةٌ، ولا نعلمُ نظائر لها حصلت في سالف العهد، وهي تقتضي النظر والاجتهاد، فالبحث عن حكمها بعينها في كتب المتقدّمين لا يعود على ذويه بطائل”.
أقول –والعلم لله تعالى -: قوله: إن النازلة جديدة إلخ”، قد اطلعت على ما كتبه الشيخ الشريف علي إسماعيل ردا على هذه الفقرة، فقال ما ملخصه أن دعوى كونها نازلة لا عهد للمسلمين بها غير مسلم فقها وتاريخا، وذكر واقعتين سأذكرهما في صدر ما وقفت عليه، وإن كان الشيخ لم يجزم بالنفي، إذ القطع بذلك متعذر.
فتاريخ الإسلام لم يخل من أحداث أدت إلى تعطيل المساجد والجماعات. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وفي سنة ثمان: مبدأ فتنة البساسيري، وخطب بالكوفة وواسط وبعض القرى للمستنصر العبيدي، وكان القحط عظيما بمصر وبالأندلس، وما عهد قحط ولا وباء مثله بقرطبة، حتى بقيت المساجد مغلقة بلا مصل، وسمي عام الجوع الكبير اهـ.
وقال المقريزي في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك: “وبطلت الأفراح والأعراس من بين الناس، فلم يعرف أن أحدا عمل فرحا في مدة الوباء، ولا سمع صوت غناء. وتعطل الأذان من عدة مواضع، وبقي في الموضع المشهور بأذان واحد. وغلقت أكثر المساجد والزوايا اهـ.
وذكر السمهودي في وفاء الوفاء: أن جماز بن هبة كان أمير المدينة، فبرزت المراسيم الشريفة بتولية ثابت بن نغير إمرة المدينة، فأظهر جماز بن هبة الخلاف والعصيان وجمع جموعا من المفسدين وأباح نهب بعض بيوت المدينة، ثم حضر مع جماعة إلى المسجد الشريف، وأهان من حضر معه من القضاة والمشايخ وشيخ الخدام باليد واللسان، وشهر سيفه عليهم.. إلى أن قال: وتعطل في ذلك اليوم وليلته والذي يليها المسجد الشريف من الأذان والإقامة والجماعة اهـ بخ.
وفي وفاء الوفاء أيضا: وروى ابن الجوزي بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: لقد رأيتني ليالي الحرة ما في المسجد أحد من خلق الله غيري، وإن أهل الشام ليدخلون زمرا يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون، ولا يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذانا من القبر، ثم أقيمت الصلاة فتقدمت فصليت وما في المسجد أحد غيري اهـ.
وذكر نحوه ابن سعد في طبقاته أيضا.
وفي مسند الدارمي: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ولم يقم، ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم اهـ. ونحوه في المواهب اللدنية.
ولا يخفى أن وقعة الحرة كانت في عهد الصحابة. وفي البداية والنهاية لابن كثير ما يدل على أن الجمعة تعطلت أيامها ؛ قال : كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. ونحوه في تاريخ الطبري وتاريخ دمشق. وقد تقدم أنه لم يؤذن أيامها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقم ثلاثا. وعلى هذا تكون الجمعة تعطلت كالجماعة.
فتعطيل المساجد من غير اختيار لا حرج فيه ولا إثم، والأمة لا تكلف إلا بما في وسعها، والأعذار تبيح التخلف عن الجمعة والجماعات، لكن لا تغير أحكام الله تعالى. وقد تنزل الأعذار بجميع أهل البلد فيباح لهم تعطيل المسجد، وتعطيل المساجد في هذه الوقائع عند انتشار الأوبئة الفتاكة وسكوت العلماء على ذلك دليل على أن إقامة الجمعة والجماعات منوطة بالاستطاعة.
ومن المعلوم أن العلماء نصوا على اشتراط الأمن في إقامة الجمعات، فإذا كان يخاف على النفوس في الخروج للجمعات تسقط، والوباء إذا كان شديدا سريع الانتشار مما يخاف منه على النفوس، فيكون داخلا في هذا المعنى.
وفي هذا جواب عن قول الشيخ: ” إلا إذا ثبت انتشار كورونا في عصر سابق بهذه الصورة وثبت التعامل الرسمي معه بمثل ما حصل، وكان للعلماء فيه إجماعٌ، فحينئذ يكون النكير على من خرق الإجماع واردا”.
وقوله قبل هذا: ” فلا مناص في النوازل المتجددة من القول بما لم يسبق إليه القائلُ ممّا يوافق القواعد وتقوم عليه الأدلة”.
لا اعتراض عليه ولا مناقشة فيه، لكن المناقشة في موافقة ما أفتيتم به لقواعد الشرع وأدلته. وهو شرط لا بد منه على ما قرره إمام الحرمين في كلامه الذي سقتموه مساق الحجة. ومحل الحجة منه قوله: “ولكني لا أبتدع، ولا أخترع شيئا، بل ألاحظ وضع الشرع، وأستثير معنى يناسب ما أراه وأتحراه، وهكذا سبيل التصرُّف في الوقائع المستجدة التي لا توجد فيها أجوبة العلماء معدة، وأصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصا معدودة وأحكاما محصورة محدودة، ثم حكموا في كل واقعة عنت، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدوا حدوده”.
مع أن النوازل المتجددة في كل زمان قد لا تكون بشخصها مما تقدم له نظير، لكن يتقدم ما يماثلها في النوع، أي في المعنى، ووظيفة الفقهاء حينئذ هي إلغاء ما لا تأثير له من الفروق واعتبار المؤثر، وهنا يكمن التفاوت بين الفقهاء كما نصوا عليه.
قال الإمام ابن مرزوق في فتواه في الورق الرومي – وهي في المعيار-: كل نازلة تحدث اليوم ليست هي عين النازلة التي أفتى فيها الإمام قطعا، وإنما البحث هل هي مثلها، فتلحق بها بمقتضى فتواه أم لا؟ اهـ
وقال قبله: وهل الفضيلة والتفاوت بين الفقهاء إلا في تمييز المثل من المخالف، وفي التفطن لاندراج الجزئية تحت الكلية؛ وقد نص على هذا ابن عبد السلام في أول كتاب الأقضية من شرحه لا بن الحاجب اهـ.
وقال الإمام ابن عرفة في مختصره: إن فقه القضاء والفتيا مبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها، فيلغى طرديُّها ويعمل معتبرها اهـ .
وأما احتجاجه حفظه الله تعالى بقول الإمام القرافي: “ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين”.
فهو كلام صحيح، لكنه عُدل به عن محله، فهو خاص بالأحكام المبنية على الأعراف، فتتغير بتغيرها، وقبل هذا الكلام متصلا به: “وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد إلخ. فلو نقله الشيخ معه لكان أتم في بيان المراد. وإلى هذا يشير القرافي في الفروق أيضا بقوله: الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت اهـ.
وإلى هذا يشير الشاطبي بقوله: منها ما يكون متبدلا في العادة من حسن إلى قبح، وبالعكس، مثل كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح اهـ.
وبيان ما أشار إليه رحمه الله تعالى أن الإخلال بالمروءة مثلا مانع من قبول الشهادة، والمروءة وصف عرفي، إذ لا ضابط لها، لا في اللغة ولا في الشرع، وهي في العرف أن تسير بسيرة أمثالك زمانا ومكانا. فإذا اختلفت سيرة أهل زمان أو أهل مكان عن سيرة غيرهم، كانت المروءة بالنسبة لهم غير المروءة بالنسبة لمن سواهم، وكان ما يخل بها عندهم غير ما يخل بها عند غيرهم، ولهذا كان كشف الرأس قبيحا عند قوم دون قوم، وكذا الأكل في السوق لغير سوقي، والمشي حافيا.
وقد مثل القرافي لذلك بقوله: كالنقود في المعاملات والعيوب في الأغراض في البياعات، ونحو ذلك، فإذا تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى حمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها، وإذا كان الشيء عيبا في الثياب في عادة رددنا به المبيع، فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم نرد به، وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه بينهم اهـ.
وقال الشاطبي في موافقاته: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، بمعنى أن الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا، أو نهى عنها كراهة أو تحريما، أو أذن فيها فعلا وتركا. فهذا النوع ثابت أبدا كسائر الأمور الشرعية، كما قالوا في الأمر بإزالة النجاسات، وستر العورات، والنهي عن الطواف بالبيت على العري، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس، إما حسنة عند الشارع أو قبيحة، فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها، وإن اختلفت آراء المكلفين فيها، فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحا ولا القبيح حسنا، حتى يقال مثلا: إن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح، فلنجزه، أو غير ذلك؛ إذ لو صح مثل هذا لكان نسخا للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم باطل، فرفع العوائد الشرعية باطل. لأنها نص عليها الشارع بخصوصها، وأثبت لها حكما شرعيا، فتغير عادة الناس فيها من استقباح إلى استحسان لا يغير حكم الشرع عليها اهـ.
وقول الشيخ: “والمراد بالذكر المذكور في الآية هو الخطبة بإجماع أهل التفسير؛ لأنه ليس بعد الأذان ذكر لله تعالى إلا الخطبة”. فيه أن الذكر في الآية فسر بالصلاة، وبه صدر القرطبي، قال: وقوله تعالى: (إلى ذكر الله) أي الصلاة. وقيل الخطبة والمواعظ، قاله سعيد بن جبير.
وقال البيضاوي في تفسيره: والذكر: الخطبة، وقيل: الصلاة، والأمر بالسعي إليها يدل على وجوبها اهـ.
وفي تفسير ابن جزي: وذكر الله: يراد به الخطبة والصلاة اهـ.
وفي تفسير الخازن: والمراد بقوله: فاسعوا إلى ذكر الله: الصلاة، وقال سعيد بن المسيب: هو موعظة الإمام اهـ.
واستدلاله بحديث كعب بن مالك في صلاة أسعد بن زرارة رضي الله عنهما على عدم اشتراط الجامع.
تقدم فيما كتبت سابقا أن في الحديث كلاما من جهة السند، وقالوا: إنه لا حجة فيه لعدم علم النبي صلى الله عليه وسلم به.
وقوله حفظه الله تعالى: “والحقّ أنه ليس في اشتراط عدد معيّنٍ في الجمعة شيءٌ يعتَدّ به، وقد أوصل ابن حجر في الفتح الخلاف فيه إلى خمسة عشر قولا لخّصها الشوكاني في نيل الأوطار، وبيّن ضعف مستندِها”.
أقول: لو أشار الشيخ إلى رأي الحافظ ابن حجر في أدلة هذه الأقوال كما أشار إلى قول الشوكاني لكان أقرب للإنصاف. قال ابن حجر في فتح الباري: ولم يتعرض البخاري لعدد من تقوم بهم الجمعة؛ لأنه لم يثبت منه شيء على شرطه، وجملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولا. ثم قال ابن حجر بعد أن سرد منها أربعة عشر ما هذا لفظه: الخامس عشر: جمع كثير بغير قيد، ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل اهـ.
ونقلها الشوكاني ثم قال إثر ذكره لهذا القول: قلت: حكاه السيوطي عن مالك. قال الحافظ: ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل اهـ.
فالحافظ ابن حجر هو فارس هذا الميدان ومجلي خيل حلبته، فليس من الإنصاف العلمي أن يطوى كلامه ويعتمد ترجيح الشوكاني، فهذا مسلك لا يرضاه أهل الصناعة الحديثية.
ولا تهمة تلحق الحافظ ابن حجر في هذا الترجيح؛ إذ ليس هذا الرأي هو مذهب إمامه.
فإذا كان الشيخ حفظه الله تعالى تطمئن نفسه لترجيح الشوكاني دون غيره، فإن إنصافه يقتضي منه أن يقبل من غيره اعتماد ترجيح الحافظ ابن حجر، وهو الرأي الذي كان عليه عمل علماء هذه البلاد، فلا ينبغي التشويش على الناس اليوم بإشاعة ضعف مستندهم وتخطئة سلفهم من العلماء الذين لا يمترى في علمهم وتقواهم وورعهم.
وقوله ناقلا عن الشوكاني: “وأما الاثنان فبانضمام أحدهما إلى الآخر يحصل الاجتماع وقد أطلق الشارع اسم الجماعة عليهما، فقال: الاثنان فما فوقهما جماعة، وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالإجماع، والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها”.
فإنه قد يُمنع قولُه: ” والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها”.
فإن الجمعة قد اعتبر فيها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعتبر في غيرها اتفاقا، وذلك كاجتماع الناس لها وتعطيل مساجدهم في ظهر يومها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها الذي في الصحيحين وغيرهما، قالت: “كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي”، وكذا اشتراط الخطبة فيها، وطلب التطيب والتزين والاغتسال لها، والتبكير إليها عند من يرى أن الساعات التي في الحديث فلكية، إلى غير ذلك مما هو معلوم، وهو يدل على مزيد اعتناء بإقامتها وجمع الناس لها، ولهذا كانت شعارا، فاقتضى ذلك أن يطلب فيها من الجمع ما لم يطلب في غيرها، وقد استمرت على هذا الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، فبعُد كلَّ البعد أن يكون التزام هذه الصفة مجرد أمر اتفق.
وقوله: “وكان الأقرب للموضوعية أن يقال: إنها – أي فتواه السابقة – موافقة لمذهب الحنفية والحنابلة غير أنها أسقطت شرط إذن الإمام، وقد شرطوه، والجواب أن هذا الشرط لا دليل عليه واعتبارُه قد يعود على الجمعة بالإسقاط، والجمعة فريضة مكتوبة، فلا يشترط لإقامتها السلطان ولا إذنه كسائر الصلوت”.
ترد عليه مناقشات، منها قوله: “غير أنها أسقطت شرط إذن الإمام وقد شرطوه”، ففيه أن الشرط يلزم من عدمه العدم، فإذا كان مذهبهما اشتراط إذن الإمام في صحتها، فلا تصح في مذهبهما إذا لم يأذن، وتصح على مقتضى فتوى الشيخ، فلا توافق بين الفتوى وبين المذهبين.
وقوله: “والجواب أن هذا الشرط لا دليل عليه” لا جواب فيه عن عدم الموافقة، وإنما هو تضعيف لمذهبهما، فحاصل الجواب أن الفتوى خالفتهما لضعف دليلهما على اشتراط الإذن، لا أنها وافقتهما كما هو المدعى.
وقوله: “واعتباره يعود على الجمعة بالإسقاط”، لا خصوصية لهذا الشرط، فهذه خاصية الشرط المأخوذةُ في مفهومه، أنه ينعدم المشروط عند عدمه.
وقوله: “فلا يشترط لإقامتها السلطان ولا إذنه كسائر الصلوات”، فيه قياس مع وجود الفارق المعتبر، كما تقرر من قبل. والله أعلم وأحكم.
وقوله حفظه الله تعالى وأمتع به: “أمّا دعوى أنّه صلى الله عليه وسلّم لم يُجمّع بمكّة فجوابها أنّ فعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة في الجمعة غيرُ مرويّ كإمامته الجماعة في غير الجمعة، والقاعدة: أن عدم العلم بالشيء ليس علمًا بعدمه”.
ففيه أننا نسلم أن فعله الجمعة قبل الهجرة غير مروي، لكن يتعين أنه لم يرو لأنه لا فعل له في الجمعة؛ إذ لو كان له فعل لروي كسائر الصلوات؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وبيان ذلك أنها لو وجبت عليه إقامة الجمعة بمكة لأقامها قطعا، ولو أقامها لنقلت إقامتها قطعا، ينتج هذا الاقتراني الشرطي: لو وجبت عليه الجمعة بمكة لنقلت إقامتها. فلما لم تنقل إقامتها علم أنها لم تجب عليه قطعا؛ إذ القضية الثانية لازمة للأولى؛ لأنها عكس نقيضها الموافق.
وبه يعلم أن عدم العلم بإقامة الجمعة علمٌ بعدمها، فالقاعدة إنما تطرد فيما يقبل الإخفاء ولا يجب بيانه. فدعوى أنه يمكن أن يكون صلاها ولم تنقل قدح في كمال الدين؛ إذ يجب عليه أن يبينها لمن معه من الصحابة ليصلوها معه، ولو صلوها معه لاشتهر ذلك ونقل.
وقد استدل مالك رحمه الله تعالى بمثل هذا على عدم وجوب زكاة الخضروات، استدل بأن أهل المدينة كانوا أهل زراعة، فلو وجبت فيها زكاة لنقل، فلما لم ينقل وجوبها دل ذلك على عدم الوجوب.
وقوله حفظه الله ونفع بعلمه: “وقد تكلم الفقهاء قديما عن إسقاط الشروط للضرورة، ومن أمثلة ذلك شروط القاضي والإمام والعدول وشرط الطهارة للصلاة في حال انعدام الماء والصعيد، فلو فرضنا صحّة ورجحان اشتراط المسجد فالقول بإسقاط الشرط لتعذره ليس ابتداعا في النظر وليس غريبا في الفقه”.
لعل الشيخ يشير إلى ما ذكره القرافي في ذخيرته، قال: البلد الذي يتعذر فيه العدول قال ابن أبي زيد في النوادر: تقبل شهادة أمثلهم؛ لأنها ضرورة، وكذلك يلزم في القضاة وسائر ولاة الأمور اهـ منها.
وبيان مراده أن العدالة في هذه الأمور شرط، وتسقط عند التعذر، ويكتفى بالأمثل.
لكن قياس الجمعة على هذا قياس مع وجود الفارق؛ إذ لو تعذر وجود شهود وقضاة وولاة عدول وعطلنا الشهادة والقضاء والولايات لتعطلت مصالح الناس، ولا سبيل إلى ذلك، فاضطر للنزول لقبول الأمثل فالأمثل صونا للمصالح والحقوق من الضياع. ولا كذلك لو عطلنا الجمعات والجماعات لعذر طارئ حفاظا على سلامة النفوس التي هي إحدى الضروريات الخمس أو الست المجمع عليها. والله تعالى يعطي بكرمه للمتخلف لعذر ثواب الحاضر، فافترق الأمران.
وأما قوله: “وشرط الطهارة للصلاة في حال انعدام الماء والصعيد”، ممثلا به لسقوط الشرط عند تعذره، ففيه نظر؛ لأن مشهور المذهب اعتبار الشرط وانعدام المشروط بانعدامه، قال خليل: “وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد”، وفيه خلاف ناظر إلى اعتبارات أخرى ليس هذا محل تفصيلها.
وبهذا يعلم أن ما رتب على هذا لا يترتب، وهو قوله بعد هذا: “فلو فرضنا صحّة ورجحان اشتراط المسجد فالقول بإسقاط الشرط لتعذره ليس ابتداعا في النظر وليس غريبا في الفقه”.
وأما قوله: “وقد أجاز عدد من العلماء المعاصرين إقامة الجمعة في قاعات الفنادق والمؤسّسات عند تعذّر إقامتها في المساجد كما يحصل للمسلمين في عدد من المدن الغربيّة، ولا فرقَ مؤثرا بين البيوت الخاصة وأماكن العمل والقاعات فكلها ليست مساجد، وكلّها ملكٌ خاصّ محجور، وإنما تدعو الضرورة أو الحاجة إلى إقامة الجمعة فيها”.
فجوابه أن مما لا مرية فيه أن الشيخ على دراية تامة بما في حجية رأي الصحابي من الخلاف، وما في حجية إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين كذلك، وهؤلاء هم خيرة الأمة وصفوة الصفوة، وهم أهل العلم والفضل على الوجه الأتم الأكمل، وإذا كان الأمر كما هو معلوم فلا معنى للاحتجاج باجتهادات المعاصرين ما لم يذكروا دليلا واضحا أو يعتمدوا نقلا صحيحا صريحا. فهذا من باب الاستدلال بما يحتاج لدليل، والاستناد إلى ضعيف.
وأما قول الشيخ العلامة: “اعتماد بعض شيوخنا على رواية الطيالسي لحديث أبي سعيد وتركهم رواية مسلم في الصحيح ليُقصر الحديث على السفر لا يسلم من تنكّب ما تقرر عند أهل الحديث من أنّ الاضطراب إن وقع فرواية الصحيح قاضية على غيرها”.
فهو كما قال لا يسلم من تنكب ما تقرر عند أهل الحديث، إن سلم أن هذا يصدق عليه حد الاضطراب عند أهل المصطلح، لكن هذا ليس من هذا الباب، بل هو من باب زيادة الثقة المقبولة التي أشار إليها العراقي في ألفيته بقوله:
واقبل زيادات الثقات منهمُ ومن سواهمْ فعليه المعظمُ
قال الإمام السخاوي في فتح المغيث: (واقبل) أيها الطالب (زيادات الثقات) من التابعين، فمن بعدهم مطلقا (منهم) أي: من الثقات الراوين للحديث بدونها، بأن رواه أحدهم مرة ناقصا ومرة بالزيادة. (ومن سواهم) أي: من سوى الراوين بدونها من الثقات أيضا، سواء كانت في اللفظ أم المعنى، تعلق بها حكم شرعي أم لا، غيرت الحكم الثابت أم لا، أوجبت نقصا من أحكام ثبتت بخبر آخر أم لا، علم اتحاد المجلس أم لا، كثر الساكتون عنها أم لا.
(ف) ـهذا – كما حكاه الخطيب – هو الذي مشى (عليه المعظم) من الفقهاء وأصحاب الحديث، كابن حبان والحاكم، وجماعة من الأصوليين، والغزالي في المستصفى، وجرى عليه النووي في مصنفاته، وهو ظاهر تصرف مسلم في صحيحه اهـ.
وقال القرافي في شرح التنقيح: قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: إذا انفرد بعض رواة الحديث بزيادة وخالفه بقية الرواة، فعند مالك وأبي الفرج من أصحابنا تقبل إن كان ثقة ضابطاً. وقال الشيخ أبوبكر الأبهري وغيره لا تقبل، ونفوا الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم “وإن أكَل فلا تأكل”. وبالأول قال الشافعية.
حجة الجواز: أن انفراده بالزيادة كانفراده بحديثٍ آخر، فتقبل كما يقبل الحديث الأجنبي، وأما ما يُفرق به من أن انفراده بالزيادة يُوجِب فيه وَهناً بخلاف الحديث الأجنبي، فمدفوع بأنه قد يسمع ولا يسمعون، ويذكر وينسون، وعدالته وضبطه يوجب قبول قوله مطلقاً، وقد يكون المجلس واحداً، ويَلْحَق بعضَهم ما يشغله عن سماع جميع الكلام اهـ.
وقال ولي الدين العراقي في الغيث الهامع: إذا زاد عدل في روايةِ حديثٍ زيادةً لم يذكرها الباقون نحو ما في صحيح مسلم وغيره من رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي، عن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا”، فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك الأشجعي، وسائر الرواة قالوا: “جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا”، ففيه أقوال: أحدها: إنها مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس، سواء علم اختلافه أو جهل ذلك، فإن علم اتحاد المجلس الذي سمع فيه الراويان ذلك الحديث لم يقبل.
الثاني: القبول مطلقا، نص عليه الشافعي وحكاه الخطيب البغدادي عن جمهور الفقهاء والمحدثين وادعى ابن طاهر اتفاق المحدثين عليه، وهو الصحيح.
الثالث: عدم القبول مطلقا، وحكي عن الحنفية وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل الحديث، وقال الأبهري: تحمل الزيادة على الغلط.. إلخ كلامه اهـ.
وما مثل به لزيادة الثقة وهو “وجعلت تربتها” منطبق على زيادة “إذا سافرتم”، فكل منهما لفظ زائد لا معارض له في الرواية الأخرى. فكما جعل الشافعي رضي الله عنه الزيادة في رواية أبي مالك الأشجعي بيانا للراوية المطلقة، فقيد الأرض بالتراب، صح أن تجعل رواية الطيالسي وغيره بيانا لرواية مسلم المطلقة، فيقيد إطلاقها برواية التقييد؛ فإن رواية مسلم مطلقة بالنسبة للحضر والسفر. ومعلوم عند الأصوليين أن المبيِّن لا تشترط مساواته لمبيَّنه في القوة في الرتبة، وإنما المشترط أن يكون أقوى دلالة على الأرجح. والمسألة في مختصر ابن الحاجب وغيره.
ولا تخالف بين ما في الطيالسي وغيره وبين ما في مسلم، فلا اضطراب؛ إذ الاضطراب في المتن لا بد فيه من تخالف اللفظ مع عدم إمكان الجمع، قال العراقي في الألفية:
مضطرب الحديث: ما قد وردا مختلفا من واحد فأزيدا. إلخ
قال في فتح المغيث: (مضطرب الحديث) بكسر الراء، اسم فاعل من اضطرب (ما قد وردا) حال كونه (مختلفا من) راو (واحد) بأن رواه مرة على وجه، وأخرى على آخر مخالف له (فأزيدا) بأن يضطرب فيه كذلك راويان فأكثر. ثم قال: ولا اضطراب إن أمكن الجمع اهـ.
ولهذا لم يشر واحد ممن تكلموا على الحديث إلى أن فيه اضطرابا، بل صرحوا بأن الأمر يعم السفر والحضر، قال في فيض القدير: (إذا كانوا ثلاثة) في سفر أو غيره (فليؤمهم أحدهم) أي يصلي بهم إماما (وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) أي أفقههم اهـ. ونحوه في التيسير.
ثم إن هذه الزيادة لم ينفرد بها الطيالسي، ففي مسند البزار عن ابن عمر؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، وإذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمهم أحدهم. وقد أخرجه الطبراني كذلك في المعجم الأوسط عن ابن عمر.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم “.
وروى البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم، وإن كان أصغركم، وإذا أمكم فهو أميركم».
وقول الشيخ: “تفريق بعض المشايخ بين الجمعة والجماعة يحتاج إلى الدليل على أن شرائط الجمعة غير شرائط الجماعة، وكلام عبد الحقّ الإشبيليِّ في الرواية لا في الدراية؛ فليس من اجتهاده، وإنما ذكر أنه لم يُروَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في العدد في الجمعة غيرُ هذا الحديث وعدم تسليمه ملزم لمن لم يسلمه أن يأتي بحديث صحيح يخالف ما قال”.
جوابه أن تفريق الصحابة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم بين الجمعة والصلوات الخمس يكفي أصلا في الفرق، فتعطيلهم لمساجدهم في الجمعة دون الصلوات الخمس أوضح فرق؛ إذ لا تعطل المساجد إلا لما المحافظةُ عليه أهمُّ من إقامتها، فهو يدل على وجوب حضور الجميع للجمعة الواحدة وعدم افتراقهم فيها. ولو جاز فعلها في البيوت بعدد قليل لكانت إقامتها بمساجد القبائل أولى، ولجاز لمن لهم عذر في التخلف عن حضور الجمعة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيموها بمساجدهم، ولو حصل شيء من ذلك لنقل.
وقوله في هذه الفقرة: ” وكلام عبد الحقّ الإشبيليِّ في الرواية لا في الدراية؛ فليس من اجتهاده، وإنما ذكر أنه لم يُروَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في العدد في الجمعة غيرُ هذا الحديث”.
قد نقبل أن قولَ الإشبيلي المنسوبَ إليه: “لا مخصص له في الشرع” من باب الرواية، أي لا حديث يخصص عموم هذا الحديث، لكن كيف يصح أن يكون قوله الذي لم يصح عنه بعد: “هذا عام في الجمعة وغيرها” رواية؟ هذا ما لا وجه له أبدا؛ لأن هذا من باب النظر في دلالة ألفاظ الرواية، وهو من قبيل الاجتهاد في دلالات النصوص، مع أن لفظ الحديث لا عموم فيه بالنظر إلى الجمعة والجماعة، فليس فيه لفظ يصدق عليهما دفعةً صدقَ الكليِّ على جزئياته.
وقوله حفظه الله تعالى: وأمّا كلامُ الإشبيليّ الوارد في الفتوى فقد حفظناه من مشايخنا قديما، ولم أقف عليه في كتبه المطبوعة، بل رأيت له في كتاب الأحكام الوُسطى تعليقا على حديث أمّ عبد الله الدّوسيّة عند الدارقُطنيّ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “الجمعة واجبة على كلّ قرية فيها إمامٌ، وإن لم يكونوا إلّا أربعة” حتى ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلّم ثلاثة، قال الإشبيليّ رحمه الله: “ولا يصح في عدد الجمعة شيءٌ” [الأحكام الوسطى: 1/ 104] ونقل كلامه هذا الزيلعي في نصب الراية: 2/ 197، والعينيّ في شرحه على البخاري [عمدة القاري: 6/ 188] وفي شرحه على سنن أبي داود [3/ 393] كما نقله ابن الملقّن في البدر المنير: 4/ 598.
ففيه أنه لم يكن من منهج العلماء أن يفتوا في نازلة نازلة اعتمادا على ما يسمعون في مجالس المذاكرات، خصوصا إذا كان السماع قد بعُد عهدُه، كما قال الشيخ، فالذاكرة خوانة. ومما ينقل عن بعض السلف أنه يسأل عن النازلة وهو يعلم نصها في الكتاب ومحله من الصفحة التي هو فيها، لا يشك في ذلك، ومع ذلك لا يجيب حتى يرجع إليه. وقد نقل العلمي في نوازله عن مالك رضي الله عنه أنه أقام أربعين ليلة في مسألة سئل عنها.
وقوله بعد هذا: “ويفيد هذا الكلام، وإن لم يكن هو ما روينا أنّه لا خصوصيّة للجمعة ما دامت لا يصحّ في اشتراط عدد معيّن لها شيءٌ، فيجري عليها حديث أبي سعيد عند مسلم عنه صلى الله عليه وسلّم قال: “إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدُهم” فهو مطلق، ولا كلامَ في صحّته، فتستوي فيه الجمعة وغيرها”.
فيه أولا أن قوله: “لا خصوصية للجمعة ما دامت لا يصح في اشتراط عدد معين لها شيء”، يتعين أن يكون مراده أنه لم يصح فيها قول بتعيين عدد، ولا ينافي ذلك أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلاها إلا بعدد كثير، وهو القائل: صلوا كما رأيتموني أصلي.
وقوله: “فيجري عليها حديث أبي سعيد عند مسلم عنه صلى الله عليه وسلّم قال: “إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدُهم” فهو مطلق، ولا كلامَ في صحّته، فتستوي فيه الجمعة وغيرها”.
فيه أن اعتباره دليلا صريحا في التحديد يناقض قول الإشبيلي: “ولا يصح في عدد الجمعة شيءٌ”، وبيان ذلك أن قضية كلام الإشبيلي سالبة كلية تصدق بنقل شيء في التحديد لكنه لم يصح، وتصدق بعدم نقل شيء في التحديد أصلا؛ لأن السالبة تصدق بعدم الموضوع، فإذا كان حديث أبي سعيد صريحا في التحديد فالسالبة كاذبة؛ لأن حديث أبي سعيد صحيح متنا بلا خلاف، وصريح دلالة على رأي الشيخ حفظه الله تعالى. فقضية كلام الشيخ لا تجتمع مع قضية الإشبيلي المسلمة من الشيوخ على صدْقٍ. والله تعالى أعلم.
وقول الشيخ: “وقد أخذ باعتبار عموم حديث أبي سعيد العلامة عبد الرحمن بن قاسم الحنبليّ، في كتابه الإحكام في شرح أصول الأحكام، فقال بعد ذكر حديث أبي سعيد: “وهذا عامّ وقال شيخ الإسلام [يعني ابن تيمية] تنعقد الجمعة بثلاثة واحد يخطب واثنان يستمعان، وهي إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء […] وحكى النوويّ وغيرُه إجماع الأمّة على اشتراط العدد، وأنّها لا تصحّ من منفرد، وأنّ الجماعة شرط لصحّتها، والله أعلمُ أنّه لا مستند لاشتراط عدد أوضح وأصحّ من حديث أبي سعيد، ويشهد له عموم الآية وما سواه يحتاج إلى برهان” ثم قال بعد هذا: “فأمرهم بالإمامة وهو عامّ في الصلوات كلّها الجمعة والجماعة، لأنّ الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة ولا دليل على إسقاطها عنهم، وإسقاطها عنهم تحكّم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح” [الإحكام في شرح أصول الأحكام: 1/ 442 – 443] ونقل مثل هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض أهل العلم”.
أقول: لعل مراده بالعلامة عبد الرحمن بن قاسم العاصمي الحنبليّ النجدي المتوفى سنة 1392 هـ. وله حاشية على الروض المربع، ذكر فيها نحو ما نقل عنه الشيخ في كتابه الآخر الذي سماه بالأحكام. قال في الحاشية ما نصه: وفي الحديث الصحيح: إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، فأمرهم بالإمامة، وهو عام في إمامة الصلوات كلها، الجمعة والجماعة، ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة، ولا دليل على إسقاطها عنهم أصلا، وإسقاطه عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، ولا قول صاحب ولا قياس صحيح اهـ.
فهو مطابق لما نقل عنه الشيخ بحروفه، وهو قريب مما نسبه الشيخُ للإشبيلي أوَّلًا، وإذا لم نقبله من الإشبيلي الذي اشتهر علمه واعتمد كتُبَه العلماءُ الأئمةُ لا نقبله من معاصر كتبه حديثة التصنيف، لم تتضافر عليها الخواطر، حتى يعلم صحيحها من سقيمها. فقد قال أحمد بن عبد العزيز الهلالي في نور البصر: تحرم الفتيا من الكتب الغريبة التي لم تشتهر، حتى تتضافر عليها الخواطر، وتعلم صحة ما فيها؛ وكذلك الكتب الحديثة التصنيف، إذا لم يشتهر إعزاء ما فيها إلى الكتب المشهورة بها” ـ.
وقد تقدم لنا تعليق على كلام المعاصرين، وأنه لا حجة في آرائهم التي لم يذكروا لها دليلا واضحا، ولم ينقلوها عمن عُلم علمه واشتهرت عدالته.
وقوله حفظه الله: ” وقد نقل بعض الحنفيّة عن أبي يوسف أنّ للمثنى حكم الجماعة حقيقة وحكماً، فالجماعة مشتقة من الاجتماع وذلك يتحقق بالمثنى”.
صحيح، لكن لا بد من الإمام معهما، وهو ما لا تشترطه الفتوى، ففي المبسوط للسرخسي ما نصه: ويختلفون في مقدار العدد، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: ثلاثة نفر سوى الإمام، وقال أبو يوسف رضي الله عنه: اثنان سوى الإمام؛ لأن المثنى في حكم الجماعة حتى يتقدم الإمام عليهما، وفي الجماعة معنى الاجتماع وذلك يتحقق بالمثنى اهـ.
وما خلص إليه حفظه الله تعالى من أن “إقامة الجمعة شعيرة من شعائر الإسلام، وهي مطلوبة في أهل كلّ بلد إلخ”، مسلم لا اعتراض عليه، لكن على الوجه الذي ثبت أن النبي صلى الله عليه كان يقيمها عليه، واستمر عليه أصحابه رضوان الله عليهم من بعده، فهو الذي تطمئن له النفوس وتنشرح له القلوب، ولا مطعن فيه لأحد.
فكونها شعيرة يقتضي إظهارها والإعلام بها وإقامتها بالمساجد الكبار؛ ليحضرها الناس، وأما صلاتها في البيوت برجلين مع إمام فهو مناف لذلك.
قال القرطبي في أحكامه: الشعائر: جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب، أي علامتهم التي يتعارفون بها. فشعائر الله أعلام دينه اهـ.
وفيها أيضا: والشعائر: المتعبدات التي أشعرها الله تعالى، أي جعلها أعلاما للناس اهـ.
وأختم بما ختم به حفظه الله تعالى ورعاه وحقق له في الدارين مبتغاه، فأقول كما قال: “ولا ضيرَ في اختلاف أهل العلم والإفتاء في النوازل المتجدّدة”.
وأضيف: وقصدُنا جميعا بلا شك بيانُ حكم الله تعالى من غير تعصب لرأي معين، وفي البحث العلمي إفادة واستفادة، ونتمنى أن يكون هذا البحث وسيلة لاستجلاب فوائد الشيخ وكنوز علمه، فنحن ننتظرها بصدق. ١والله المطلع على نياتنا وعلى سرائرنا وعلانياتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى